البرنس حماده عزو
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

البرنس حماده عزو

اسلامى * افلام * اغنى * برامج * قصائد * العاب * شات *
 
البوابةالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 الأم والابن والروح القدس.. من خواطر سورة مريم (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin
avatar

الحمل عدد المساهمات : 480
نقاط : 1546
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 10/04/1986
تاريخ التسجيل : 07/03/2011
العمر : 31
الموقع الموقع : http://mada.ahlamountada.com

مُساهمةموضوع: الأم والابن والروح القدس.. من خواطر سورة مريم (1)   الجمعة يونيو 02, 2017 10:21 pm

«وَاذكُر فِي الكِتابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَت مِن أَهلِها مَكانًا شَرقِيًّا» (16).

توجيهٌ من الله للنبيِّ وللسامعين بالتذّكر والتدبر فيما يقصه القرآن عن مريم. ثم يُعقِبُ على الفورِ بِذِكرِ مشاهِد للقصةِ، فقد كانت حياة مريم منذ ميلادها في كنف المعبد، حيثُ نشأت في كفالة ورعاية النبي زكريا. وكان جُلُ وقتها تقضيهِ في محراب صلاتها تتعبد إلى ربها، ولسببٍ لا نعلمه، أو ربما كانت بداية مرحلة من مراحل تعبدها وتنسكها حين اتخذت معزلًا عن أهلها، لعبادتها بمكان آخر في شرقي المدينة: بيت لحم، أو الناصرة، أو بيت المقدس.

 «فَاتَّخَذَت مِن دونِهِم حِجابًا فَأَرسَلنا إِلَيها روحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا» ﴿١٧﴾.

ثم في مكان عزلتها الشرقي، بالغت في ابتعادها عن أهلها والناس، فاتخذت ساترًا يعزلها عنهم، وكأنها عزلة ثانية. ولأهمية المهمة المكلف بها جبريل، ينسب الله الجليل إرسال جبريل لنفسه، وبضمير المتكلم، لِعِظَمِ الأمر: فَأَرسَلنا. فقد أرسله لمريم متمَثِلًا في صورةِ بشرٍ كامل الخلقةِ، حيث تجد أمامها – وفي قلب مُعتَزَلَها – رجلًا لا تعرفه، ليس هو زكريا النبيّ الذي يكفلها، ولم يُطرَق بابٌ عليها ولم يُفتَحْ، وكأن الأرض قد انشقت عن هذا الرجل دون صوت ولا اهتزاز، أو كأنه تشكل من هواء ذلك المحراب. وتتفاجأ مريم بما تراه، وهي لا تدرك من الأمر شيئًا، ولا تعرف من هذا الرجل.

أما السامعون للسرد القرآني، فيعلمون أن الرجل هو جبريل الروح القُدُس، وأنه رسولٌ من الله إلى مريم في صورةٍ بشريةٍ كاملةٍ، وعلى ذلك يكون الترقب لما تكون عليه رِدة فعل مريم شديدًا.

 ونفهم من السرد القرآني أن مريم في معزلِها هذا، ما كان ليدخل عليها إنسان لا تعرفه، وربما ما كان من الممكن أن يلج معزلها إلا نبي الله زكريا في أوقات معلومة ومتباعدة؛ لقضاء احتياجاتها من طعام وشراب وضرورات الحياة.

 كانت مريم المُصطَفَاة الطاهرة المُطَهرَة، ذات إيمانٍ بالله راسخٍ، وجنانٍ ثابتٍ، وذهنٍ صافٍ متقدٍ، قلبها التقيّ الوَرِعِ لا يعرف الخوف، فارتباطه برحمةِ اللهِ وخشيَّتِهِ؛ قد جعلها رابطة الجأش.

ولكن بالرغم من ثباتها وصلابة حسها، استشعرت المفاجأة بظهور رجلٍ في صومعتها المحكمة الإغلاق، بشكل يصدم العقل ويستعصي على الأفهام، ومع ذلك لم تتهاوَ من الجزعِ، ولم تنهر من الفزعِ، ولم تتلاشَ فطنتها وحكمتها، ولكن مسَّ قلبها بعضُ الرَّوعِ والقلق. فعاجلت الرجل الذي بدا أمامها بلمحِ البصرِ، وهي مستعصِمةٌ بربِها وإيمانها: قالَت إِنّي أَعوذُ بِالرَّحمـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. ﴿١٨﴾.

تستعيذُ باللهِ، وباسمِهِ الرحمن. تسمي ربها، وتفزع إليه. حيثُ المقام مقام رحمة ولطف تدفع السوء والأذى، وتمنع الخوف والرهب، وتجلب الخير والأمن والسكينة، وتجعل الله برحمته مُغِيثًا لها، يحول بينها وبينه. وتعطف القولَ شرطًا وأمنيةً لها، إن كان الرجل تقِّيًا. وكأنها تتمنى ذلك، دَرْءًا لأي أذىً، وحَثًّا لَه أن يكون ذلك خياره وحاله واتجاهه، وألا يدنو منها بسوءٍ.

«قالَ إِنَّما أَنا رَسولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا» ﴿١٩﴾.

ويجيبها الروح القدس المتمثل لها في صورة رجل، ليطمئنها ويذهب عنها ما بداخلها من رَوعٍ وقلقٍ، يكشف لها عن هويتِهِ وعن طبيعتِه، وعن دورِه ومهمتِه، فهو مَلَكٌ جاءها كرسولٍ من ربها: أَنا رَسولُ رَبِّكِ.، ولم يقل: ربي، ومع أن الرب واحد، فإن الصياغة على هذا النحو تجعل معاني الربوبية والرحمة الربانية أكثر حَدَبًا واختصاصًا بمريم. وقد صدَّقت الرسول في تعريفِهِ لِنَفسِه بأنه رسول ربِها – ذلك الرب الذي نذرتها أمها له وهي بعدُ جنينًا في رحمها.

ولم تتوقف مريم عِندَ تلك المعجزة الخارقة والموقف الفريد الذي لم يعرض لها طوال حياتها بتنزيل أحد الملائكة كرسول من الله في صورة بشرية ليحادثها وينقل لها ما أمره الله به. اطمأنت نفسها وصدقت أن هذا البَشَريُ المستوي في خلقته والقائم أمامها في صومعتها هو رسول من ربها وملك كريم من ملائكة الله، وسكنت إلى صِدقِ ما جاء به،  ولكنها تلتفت بِكُلِّيَّتِها، بفكرها وخوالج نفسها إلى ما حمله لها الرسول … لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا، والتي فهمتها على أنها بشارةٌ بِهبةٍ من الله وهبها إياها بأن سيكون لها غلامٌ طاهرٌ مُنَّزَّهٌ عن الخبائثِ.

فبادرته القول مجادلةً ومتسائلة: قالَت أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ وَلَم يَمسَسني بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا. ﴿٢٠﴾. كذلك كان سؤالها للملك الرسول. كيف يكون لها غلامٌ تلدهُ؟ ولم تكن على صلةٍ بأحدٍ من الذكور، ولم تكن أبدًا من أهلِ الفجورِ!

هي تعلم ما يعلمه البشر كافة، فليس ممكنًا للمرأة أن تلد غلامًا، دون أن يأتيها زوجها، أو بغيًا يأتيها رجلٌ ما. فكان اندهاشها وسؤالها وإنكارها لإمكانية هذا. كان سؤالها يحمل في نبراته ومعانيه الكثير من الاندهاش والاستغراب والإنكار، وخشية العواقب، والرغبة في الفرار من تلك الهبة ومن نتائجها وتكاليفها التي تراها أكبر من طاقتها.

وقد أدركت بفطرتها بأن نزول مَلك من الله يبشرها بذلك يعني أنَّ أمرًا خارقًا لطبائعِ الأمور، وآيةً تفوق إدراك العقول، أوشك على الوقوع.

ولم يكن قد مضى الكثير على ميلاد يحيى بن زكريا لأبوين هَرِمِينِ قد بلغا من الكِبرِ عِتِيًّا، وربما جال هذا الحدث في بال مريم، لتوقن أنه كان مقدمة لأمرٍ بدت تتضح معالمه بزيارة الملك الكريم لها.

 ويستمر الجدال، فيجيبها جبريل عليه السلام، رسول الله إليها: قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحمَةً مِنّا وَكانَ أَمرًا مَقضِيًّا. ﴿٢١﴾. بأن ذلك ما قاله الله سبحانه، أن يكون لك غلام زكيّ، وقوله هو حكمٌ قد قضاه، وقدرٌ مقدور نافذٌ في وقتِه وأوانه. ولا يشغَلّنَّكِ كيف يكون، وكيف يُقْضَى أمرُ اللهِ، فذلك عليه هيّنٌ ويسير. وإذ تسمع مريم الصِدِيقة قولَ ربِها على لسان رسولِه … ولِنَجعَلَه آيةً للناسِ، ورحمَّةً منَّا … تعي أنَّ ذلك الأمر ليس شأنًا خاصًا بها أو أمرًا عائليًا، وإنما قضاه الله آيةً للناسِ وشأنًا للكون وللبشريةِ.

 وفهمت مريم الرسالة وأدركت مغزى هبة الله هذه، وما تُنشِئُه من موقفٍ تحتار فيه العقولُ وتتخبط فيه الظنون والأفهام. إنها عذراءٌ راهبةٌ عابدةٌ في صومعتها ليس لها زوج، ولا يجب أن يكون، لا تختلط بالرجال ولا يجوز، فأن يكون هذا شأنها، وهي في تلك الحياة الروحية المنعزِلة عن الرجال وأحوال الزواج والإنجاب، فتُوهب وتحمل وتنجب طِفلًا، فهو أمر لا يتصوَّره الذهن ويتجاوز كل التصورات.

 يهدئُ جبريل خاطرها ويهون قلقها، فشرفها مُصانٌ، وهي على عِفَّتِها وطهْرِها باقيةً عذراء بَتول، صِديقّةً ومن القانتين. يبين قوله لها أن لها النصيب من معجزات الله وآياته الخارقة، وأن ذلك الغلام سيكون حملُه وميلادُه، وحياتُه ورفعُه، ونزولُه ومماتُه، آيةً للناس، ورحمةً من الله، يهديهم ويعِظهم، ويعينهم على التطهر وطاعةِ الله، ويكون بِشارةً باقتراب رسالة الختام ودعوة الله الأخيرة للبشرية جمعاء.

وانتهى المَلَكُ من إبلاغها رسالة الله إليها، لتثبيت فؤادها وإعداد حِسِها وشعورها لِتَقبل تلك المعجزة، وتَحمل ما سوف يُصاَحِبها من صَخَبٍ وضَجيجٍ بين بني إسرائيل قوم مريم وعشيرتها، وما سوف تواجهه من إنكار واتهامات، وما سوف يقع عليها وعلى سمعتها من أذى جراءَ ذلك. وختم كلامِه لها بأنه قد أتى قضاء الله وتم ونفذت كلمته، وصار حملها بعيسى أمرًا نافذًا مقضيًّا.

«فَحَمَلَتهُ فَانتَبَذَت بِهِ مَكانًا قَصِيًّا». ﴿٢٢﴾.

 وقد تمت مهمة جبريل لإبلاغها أمرَ الله المقضي، وتهيئةِ نفسِها لحمله ومواجهة عواقِبَه، وبانتهاء الملك من مهمته، يختفي من أمامِها، وتنقضي صفحة المشهدِ كلِه، ليظهر مشهدٌ آخرٌ وصفحةٌ جديدةٌ من القصةِ. وإذ الصِديقة العذراء تحمل في بطنها جنينًا كما تحمل النساء، ولكن دون أبٍ له أو زوجٍ لها أو شريك.

لم يذكر القرآن لنا كيف كان الأمر؟ وما كان شعورها؟ وفيما كانت تفكر حينئذٍ؟ ولكننا نعلم أنها صبرت لابتلاء الله، وخضعت لآياته التي تتكون في أحشائها، ورحمةِ الله ترعاها. فغادرت معتزلها الشرقي، وهبة الله في بطنها جنينًا، إلى مكانٍ ناءٍ حيث معتزلها الآخر، بعيدًا عن المعبد والمحراب، وربما إلى خارج المدينة في السهول والأحراشِ.

 كم من الوقت لَبِثت في المكان القصي؟ وكم من الزمن استغرقه حملها ومُكثُها في انتظارِ الولادة؟ هل هي شهور الحمل التسعة المعتادة عند النساءِ؟ أم أن المعجزة مستمرة في فعلها، فيستغرق الحمل أيامًا قليلة؟

 ونظن أن الله قد أنزل السكينة والطمأنينة عليها خلال فترة الحمل، وكان صبرها وإيمانها، ويقينها بربها يملك جوارحها ويربط على قلبها، وأتمت حمله على ذلك الورع واليقين.

«فَأَجاءَهَا المَخاضُ إِلى جِذعِ النَّخلَةِ قالَت يا لَيتَني مِتُّ قَبلَ هـذا وَكُنتُ نَسيًا مَنسِيًّا» ﴿٢٣﴾.

إنها في ذلك المكان القَصِّيّ وحدها، وبطنها منتفخة بجنينها، السماء من فوقها، وهي جالسة على الأرض، مستَنِدة إلى جذعِ النخلة المتهالك الجاف. ولا ندري أكانت النخلة مُثمِرة أم لا؟ وهل كان الوقت هو موعد نضج الثمار وجنيِّ الرطب؟

والسكون يلف الوادي الذي اختارت فيه عزلتها، وحيدةً دون أنيسٍ، تلمع نجوم السماء في صمتٍ، ليلًا، ويهتز الشجر والنخيل وظلالهم دون حفيف بالنهار، ترعاها عناية الرحمن، وتستشعر انقباض بطنها المثقل وتبدأ الآلام: فَأَجاءَهَا المَخاضُ إِلى جِذعِ النَّخلَةِ …

مقدمات الولادة، بآلامها ومعاناتها وتغيرات جسد المرأة مع المخاض وحين تبدأ مراحل خروج الجنين للحياة من بطن أمِه، تفاجئ مريم فتلجأ إلى جِذعِ النخلة، فتمسك بها بكلتا يديها، وآلام المخاض تضرب بطنها وظهرها. وبدا لها أن وليدها اقترب من مغادرة رحمها والهبوط إلى الدنيا، وربما جالت، حينئذٍ، بخاطرها أفكارٌ ومشاعرُ كثيرة مزعجة.

وتضعف نفس مريم أمام الواقع الذي يوشك أن يكتمل بوليدٍ تلده من دون أب، وهو ما لم يحدث لأحدٍ من نساء العالمين، واقع ستواجه به أهلها من بني إسرائيل، فيستبد بها القلق، ويتمَّلَكها الحزن وتعصف بنفسها آلام تطغى على آلام المخاض. فتنوح على نفسها، وتتمنى أن لو كانت قد ماتت قبل وقوعِ ذلك الحمل وهذا الميلاد، وأن لو لم يكن لها من وجود في الحياة فلا يعلم بها أحد ولا يذكرها أحد. أي حزن كان يعتصر قلب تلك الصِديقةِ التقية؟!

وأي مبلغ بلغه ذلك الهم الذي دفعها لتمنيَّ الموت والعدم قبل حدوث ما حدث؟! وأي مبلغ بلغه ذلك الهم الذي دفعها لتمنيَّ الموت والعدم قبل حدوث ما حدث؟! فبالرغم من مجيء ملك من الله كرسولٍ لها في هيئة البشر، وتصديقها له، وبمهمته التي أوضحها لها، وبالرغم من أن الآية والبشارة تتحرك في أحشائها، فإن الاتهامات والطعان الكاذبة والمتوقعة في شرفها وفي عِفَتِها، تكون شديدة الإيذاءِ والألمِ؛ مما يجعل تَمَنِّيَّ الموت بديل أهون وأفضل من وقوع هذا الأمر.

إن الألسن التي تنطق بالقذف في الأعراضِ، هي عِند الشرفاء الأحرارِ سِهام مسمومة تفتك بهم ببشاعة. وحِصن الشرف لدى العفيفات من النساء وبيوتهم المطهرة، يكون الموت أيسر عليهم من هدمه أو طعنِه بالافتراءات.

 نحسب أن تلك اللحظات هي أصعب ما في حياةِ مريم بأكملها، فقد صبرت وتحمَّلت كلَ مراحِل الحدث المعجز، ولكن في الوقت الذي تبادر المعجزة في الإعلان عن نفسها واكتمالها، بخروج الوليد للحياة بميلاد ابنها المسيح، تتزلزل نفس مريم وتثور فيها براكين الخوف مما قد يسمها القوم من عارٍ ومن أفواههم ونظرات عيونهم.

 حينئذٍ تمنت أن لو جاءها الموت قبل أن يحدث هذا الأمر كله أو قبل ذلك المخاض والميلاد، بل تمنت أن لو كانت عدمًا ونسيًا منسيًا. ولم تكن تعلم أن الله بهذا، شاء لها أن تظل ذكراها الطيبة عبر التاريخ، وتظل في إيمان المؤمنين والمؤمنات هي المرأة التي كَرّمها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين.

 »فَناداها مِن تَحتِها أَلّا تَحزَني قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا» ﴿٢٤﴾.

 ولا تتخلى رحمة الله عن الصالحين من عباده، ولا عن الصديقين والمصطفين الأخيار.

تستند مريم إلى جِذع النخلة، جالسة على حجرٍ بجانب الجذع، يأتيها صوت مناديًا إياها، يخصَّها بالنداءِ، وكأنه خارجٌ من الأرض الصلبةِ التي تحت قدميها: أَلا تَحزَني.

– وربما كان صوت الملك الكريم، أو صوت وليدها يأتيها من تحتها حين ولادته.

 يمسح ذلك النداء عنها حزنها الذي بدا في تمنيها الموت، ويطلب منها ألا تحزن ولا تأسى.

يذكرها بربها، وبما يحيطها به من جليل رحمته وعظيمِ قدرته وآياته، ليُثَّبِتُ قلبها، وليعود لها تماسكها وتسترد ثقتها ويقينها وتسليمها لقدرِ ربها فيخبرها أنّه: قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا.

فقد أجرى ربها تحت قدميها غديرًا أو جدولًا من الماء العذب. فالتفتت مريم لتنظر أسفل منها، وإذ بعينٍ متفجرة بالمياه العذبة، تذكرنا بعين زمزم وهاجر وابنها إسماعيل، وهذا جدولٌ رقراقٌ بمياهه العذبة يتخذ مجراه في الأرض الصلبة، من تحتها، فلتأنس نفسها، ويتراجع حزنها ويزداد اطمئنان قلبها، فالطبيعة خاضعة لقدرة الله التي ترعاها، فتبدي خوارقها أمام عينيِّ مريم ومن تحتها.

 «وَهُزّي إِلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُساقِط عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا» ﴿٢٥﴾.

فيوجهها المَلَكُ أو يطلب الوليد منها أن تهز بيديها، وتجذب إليها جذع النخلة الذي تستند إليه، فإن فعلت فإن ثمارها من الرطب سيتساقط عليها، ولكن كيف ليديها الرقيقتين وفي ضعف ووهن المرأة النفساء ساعة مخاضها وولادتها، أن تهز الجذع الجاف الضخم الذي تعلوه نخلة شامخة، بقنوانها وجريدها وثِمارها؟!

ففعلت بيدين واهنتين، وإذ بجذع النخلة يهتز، وإذ بالنخلة السامقة تتأرجح وتتذبذب، فتضطرب قنوانها، وتسقط ثمارها من الرطب حول مريم في مجلسها.

 وإذ ترى الطبيعة من حولها تستجيب لما قاله المَلَك أو الوليد، فيجري جدول الماء العذب تحت قدميها، ويهتز جذع النخلة الراسي من جذب يديها، ويتساقط الرطب الجني عليها، فتأنس للقول والمشهدِ، وينحسر عن نفسها بعض غَمِّها وحزنها.

 ويستمر الصوت القادم من تحت مجلسها يخاطبها: فَكُلي وَاشرَبي وَقَرّي عَينًا فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقولي إِنّي نَذَرتُ لِلرَّحمـنِ صَومًا فَلَن أُكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا. ﴿٢٦﴾.

يوجهها لأن تأكل من الرطبِ المتساقِطِ حولها، وأن تشرب من ماء ذلك الجدول الجاري تحت قدميها، ولِتطب نفسها وتقر عينها. وقد أكلت وشرِبت، وولدت غلامها.

وما إن فعلت ذلك، ورأت الطفل بعينيها، حتى تلاشى حزنها وزال همَّها وغمَّها، وقرت عينها، وعاد لها ثباتها وصفاء نفسها، وإيمانها بدورها العظيم في تلك الآية والرحمة التي قضى بها اللهُ للناس، وصارت مستعدةً لمرحلة ما بعد الميلاد وتكليفاتها ومشَّاقَّها.

وأنصتت للصوت الذي يخاطبها، سواء كان صادرًا عن الملك الكريم أو عن الصبي الوليد، وتحفظ عنه القول: … فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقولي إِنّي نَذَرتُ لِلرَّحمـنِ صَومًا فَلَن أُكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا.

فلِعِظَمِ هذا الأمرِ عليها وعلى قومها، الذين يعلمون دينها وخلقها وطيب منشأها من قبل مولدها، ما كان لها أن تتولى هي الدفاع عن نفسها أو تفسير الأمر لقومها، بل كانت الآية التي عاشتها تتطلب أن يعيشها الناس ويشهدوها بأنفسهم.

 يوجهها النداء إلى دورها البسيط وما تقوله من كلمات معدودات، فما عليها حين تلقى أول إنسانٍ إلا أن تقول له: أنها نَذرت لله الرحمن صومًا، بالصمتِ والسكوت، فلن تكلم في يومها هذا بعد الآن أحدًا.

– وحينئذٍ كانت مريم قد قرت عينًا، واستعادت رباطَ جأشها، وثباتها، وصَفَت نفسها وطابت، وأيقنت أنها في رحمةِ الله وعنايته، وأنها صاحبة الدور الأهم في آية الله الموعودة، بالرغم من أنها لا تعلم، ما سيكون من أمرها حين وصولها بلدتها؟ ولا كيف يلقاها القوم؟ ولا كيف سترعاها رحمة الله؟ وكيف ستكتمل الآية؟

– وينقضي الوقت الذي عاشته بعيدًا عن قومها، في ذلك المكان القصي.

وحان أوان بِدء رحلةُ عودَتِها إلى بلدتِها وقومِها، وهي تحمل طفلها، معجزة الله وآيته التي ستظل البشرية تذكرها حتى قيام الساعة.

– غادرت مريم المكان القصيّ، وسلكت طريق العودة إلى بلدتها، تحمل وليدها بين يديها، وما أن وقعت عيناها على أحد الناس على مشارف المدينة حتى نادته، ولم تلقِ بالًا لنظرات العجب والاستغراب التي يرمقها وطفلها بها، وأخبرته بما انتوته من صومٍ وصمتٍ وامتناع عن الكلام طوال اليوم، حتى يُبَلِغ ذلك للناس، إن حاولوا استنطاقها أو عجزوا عن إدراك نيَّتِهَا أو فهم إشاراتها، ثم واصلت مسيرها إلى البلدة.

 ما ذُكِر من قصة زكريا، يشير إلى أن امتناعه عن الكلام، كان آية من الله له من حيث البِدء، ليطمئن إلى قبول الله لندائه وتلبية دعائه، فكان أن ربط الله عقدة في لسانه، وأفقده النطق إلى حينٍ، فما كان يمكنه الكلام لو أراد. ومن بعد ذلك كان القوم شهودًا للآية وهي تتحقق في زكريا وفي زوجِه.

 أما امتناع مريم عن الكلام مع الناس فهو نوع من الصيام ورفض النطق، تفرضه على نفسها استجابةً للملك أو للصوت الذي ناداها من تحتها وقت مخاضها.

 ويبدو أن ما قُدِّرَ لمريم من صومٍ وامتناعٍ عن الكلام، هو لإفساح المجال، واخلاء المشهد من المجادلة والمحاورة بينها وبين قومها، وإبعاد مريم عن ذلك، ومنع أي دور لها في الشرح والتفسير لتلك الآية والمعجزة الخارقة، ليقوم وليدها، الصبيُّ الذي في مهده بمهمتِه الخارقة في إتمام تلك الآية والمعجزة.

 «فَأَتَت بِهِ قَومَها تَحمِلُهُ قالوا يا مَريَمُ لَقَد جِئتِ شَيئًا فَرِيًّا» ﴿٢٧﴾.

(يتبع)…..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mada.ahlamountada.com https://twitter.com/https://twitter.com/hamadaezoo2 https://pinterest.com/https://hamadaezoo.wordpress.com
 
الأم والابن والروح القدس.. من خواطر سورة مريم (1)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنس حماده عزو :: حماده عزو :: اسلامى-
إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: